Uncategorized

“تربية مرا”..!

في مجتمع اعتاد أن يخلط بين المفاهيم، تطفو على السطح بين حين وآخر جملة يرددها البعض كأنها أقسى أنواع السباب: “تربية مرا”. تُقال بتهكم، وكأنها وصمة أو عار، مع أن الحقيقة أن كل إنسان على وجه الأرض هو في النهاية “تربية امرأة”، فالأم هي المعلم الأول، والطبيب الأول، والحارس الأول، وهي اليد التي تطعم وتكسو وتحنو، حتى قبل أن يفتح الطفل عينيه على العالم.

كيف تحولت هذه الحقيقة البديهية إلى سُبّة؟ وكيف صار ما يُفترض أن يكون مدعاة فخر، سلاحًا جارحًا في ألسنة من يفتقدون الحكمة والإنصاف؟

قال الشاعر حافظ إبراهيم يومًا: *”الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق”*. هذه ليست عبارة إنشائية، بل حقيقة أثبتتها الحياة؛ فكم من أبناء نشأوا بلا أب ــ بفعل موت أو طلاق أو انسحاب من المسؤولية ــ لكنهم كبروا رجالًا ونساءً يرفعون رؤوس أمهاتهم عاليًا، يتفوقون في العلم والعمل، ويسدّون فراغًا تركه غياب الأب.

مقالات ذات صلة

الأم ليست بديلًا عن الأب فحسب؛ هي المؤسسة الكاملة التي تضمن الاستمرارية حين ينهار الركن الآخر من البيت. تشير دراسات اجتماعية إلى أن أكثر من 80% من الأمهات الأرامل أو المطلقات في مجتمعاتنا تمكنّ من تربية أبنائهن بنجاح، وأخرجْن نماذج مشرّفة تفوّقت على من نشأوا في بيوت “كاملة” ولكن غاب عنها الحضور الحقيقي للأب.

المفارقة أن من يستخدمون تعبير “تربية مرا” كشتيمة، هم غالبًا من ينسحبون من المسؤولية ويتركون الأعباء لزوجاتهم. ترى أحدهم يتسكع في المقاهي، مطمئنًا أن أولاده بخير “لأن أمهم موجودة”. فإذا كانت الأم تتحمل مسؤولياته طوعًا أو كرهًا، فبأي منطق تصبح “تربيتها” وصمة؟ أليس الأولى أن يُحاسب هو على تقصيره بدل أن يُهان الآخرون؟

الأدهى أن بعض هؤلاء يجرحون أمهاتهم وبناتهم وزوجاتهم من حيث لا يدرون، إذ إن كل إهانة تطلق ضد “تربية المرأة” هي طعنة في صميم كل امرأة في حياتهم.

دعونا نتوقف أمام قصص بطلات حقيقيات:

امرأة فقدت طفلين بسبب مرض وراثي نادر، ورُزقت بطفل ثالث مصاب بأكثر من 14 إعاقة، ومع ذلك لم تنهَر، بل واجهت القدر بكل صبر، كافحت لتعلّمه وتزرع فيه الأمل، فيما انسحب الأب وتخلّى عن مسؤوليته، بل ظل يطعنها بأقواله. هذه السيدة لم تكتفِ بالصمود، بل تحولت إلى رمز للكفاح، وقدّمت ابنًا نافعًا رغم كل ما واجهه من إعاقات.

فهل يصح أن يُقال لابنها: “تربية مرا” كشتيمة؟ أم يقال بفخر: “تربية امرأة بطلة”؟

المجتمع الذكوري المتعجرف الذي يردد هذه الشتيمة يتناسى أن المرأة ــ في القرى كما في المدن، في البيوت الفقيرة كما في الفيلات الراقية ــ هي دائمًا الحاضرة. إن لم تكن أمًا فهي “مربية” أو “بيبي سيتر”، دائمًا هناك امرأة تتحمل النصيب الأكبر من التربية والرعاية. بل إن بعض الرجال أنفسهم حين يفقدون زوجاتهم لا يستطيعون إكمال حياتهم دون امرأة أخرى أو مساعدة أنثى، سواء زوجة ثانية أو عاملة منزل.

الواقع أن السُبة الحقيقية لا تقع على المرأة، بل على من يتخلى عن مسؤوليته، أو من يجرؤ أن يصف أبناءها بعبارات مهينة. الأم التي سهرت، وضحّت، وكابدت لتُخرِج من بيتها رجالًا ونساءً أسوياء، تستحق وسامًا على صدرها لا سخرية في غيابها.

“تربية مرا” ليست شتيمة، بل شهادة فخر ووسام شرف، ومن يستخدمها كإهانة يسيء أول ما يسيء إلى أمه وجدته وأخته وزوجته وابنته.

فلنُعِد الأمور إلى نصابها: السُبّة الحقيقية على من انسحب من مسؤوليته، والوسام للأم التي حملت العبء وواصلت الطريق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى